هل ستكون الأقاليم الخيار الأمثل للعرب السُنّة في مرحلة ما بعد الموصل؟

رائد الحامد
باحث في الجماعات المسلحة وتحولات المجتمع السُنّي

25/07/2017

المشهد العام:
يتمثَّل العنوان الأبرز لإشكالية المجتمع السُنّي العراقي في الحفاظ على هويته كجزءٍ من هويةٍ وطنيةٍ جامعة، وبناء قوّة مسلحة خاصة به.
لكنّ واقع الانقسام المجتمعي العراقي، يدفع المجتمع السُنّي باتجاه تعزيز هويته الفرعية على وفق ما يُحقق له الحفاظ على وجوده، والشراكةِ الحقيقيةِ في قيادة البلد، وموارده، وعدم خروجه من دائرة التنافس مع المجتمعات العراقية الأخرى التي تُعزّز هوياتها الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
لقد فشل المجتمع السُنّي في التمحور حول إطار جامع في الوقت الذي يمتلك فيه الشيعةُ مؤسسةٌ دينيةٌ مركزية قادرة على التعبئة السياسية بالاتجاه الذي يخدم مصالح الطائفة حتى لو كان على حساب المصلحة الوطنية؛ كما هو الحال مع الأكراد الذين يمتلكون كياناً شبيه بالدولة القائمة بذاتها مُنذ حرب الخليج الثانية سعت لاستثمار التغيير بعد عام 2003 لخدمة مصالحها القومية على حساب المصلحة الوطنية أيضاً.
وفي مقابل ذلك، تجنحُ قوى سُنّية باتجاه المضي لإقامة إقليم سُنّي واحد يشمل المحافظات السُنيَّة على الرغم من أنَّ هذا سيؤكد ويعزّز الانقسام الطائفي السُنّي الشيعي ويظهره إلى العلن كواقعٍ لا يمكن القفز عليه، وسيشجع على إقامة إقليمٍ شيعي في مواجهة الإقليم السُنّي؛ أيْ إقليمان يحتكمان إلى الهوية الطائفية لا إلى الهوية الوطنية. إلاَّ أنّ إقامة أقاليم متعددة على أسس جغرافية المحافظات سيعطي صورة مغايرة تعكس عراق عربي لا مركزي.
شهد العراق بعد الانسحاب الأميركي من العراق نوعا من الاستقرار الأمني في العامين 2012 و2013؛ لكن استمرار سياسات حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي واطلاق يد الميليشيات الشيعية دفعت بالعرب السُنّة إلى تبني خيار حق التظاهر المكفول دستورياً طيلة العام 2013.
وتمثلت ابرز مطالب الحركة الاحتجاجية في اطلاق المعتقلين والمعتقلات في السجون العراقية وإلغاء المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب وإلغاء قانون المساءلة والعدالة، وإعادة التوازن في شغل المناصب السيادية بمؤسسات الدولة؛ لكن هذه المطالب لم يتم الاستجابة لها بما يكفي لخلق نوع من الرضا السُنّي والشعور بأنهم شركاء حقيقيون في الدولة العراقية.
تميزت معالجة حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لمطالب الحركة الاحتجاجية بمزيد من حملات اعتقالات وتصفيات لقيادات المجتمع السُنّي وحملات قمع عسكري لساحات الاعتصام في الموصل والحويجة والرمادي أدت إلى مقتل وجرح العشرات وفض الاعتصامات بالقوة واحراق خيم المحتجين في سياق السياسة الطائفية الاقصائية التي أدت إلى “تحول نوري المالكي إلى زعيم طائفي يبدي عداء حادا للسُنّة وفر مدخلا لانتعاش جديد لتنظيم القاعدة”، أي تنظيم الدولة التي “استغلت بشكل بالغ القساوة عداء المالكي للسُنّة واستثمرته في تنصيب نفسها حامية لاهل السُنّة المغضوب عليهم” من الحكومة العراقية.
بعد أحداث يونيو/حزيران 2014 وتحميل حكومة نوري المالكي مسؤولية سقوط الموصل بيد تنظيم الدولة، ضغطت إيران والكتل الشيعية لارغام نوري المالكي على التخلي عن تمسكه بالاستمرار في رئاسة الوزراء لولاية دستورية ثالثة؛ وقد بنت قيادات سُنّية امالا على إزاحة نوري المالكي ومجيء حيدر العبادي إلى السلطة باتفاق سياسي بين الكتل السياسية ضمّنته “وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية” للقبول بالمشاركة في الحكومة الجديدة التي سيرأسها حيدر العبادي؛ حيث ساهمت سياسات نوري المالكي في تعزيز الانقسامات في المجتمع السُنّي وتشتيت الجهد باتجاهات متعددة اتسمت بعدم وضوح الرؤية أو الاتفاق على العمل مع خلفه حيدر العبادي أو عدم العمل معه؛ لكن مرور نحو ثلاث سنوات على توقيع “وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية”، “لم يتم تحقيق أي بند من بنود الوثيقة، سواء ما يتعلق بالقضاء او اقرار قانون الحرس الوطني او تعديل قانون المساءلة العدالة” بسبب “تسويف رئيس الوزراء حيدر العبادي وحزب الدعوة الاسلامية وكذلك مسؤولين آخرين” .
واستطاعت القوى الشيعية السياسية والدينية تحشيد المجتمع الشيعي باتجاه مواجهة تهديدات تنظيم الدولة الذي بات يهدد السلطة الشيعية في العراق بعد انهيار القوات الأمنية في الموصل في اعقاب معارك استمرت خمسة أيام سبقت سيطرة التنظيم على المدينة في 10 يونيو/حزيران 2014، حيث أعلن نوري المالكي تشكيل جيش رديف من متطوعين شيعة أو من الجنود الفارين من الموصل ومحافظات صلاح الدين وديالى والانبار.
غلب على تشكيل الحشد الشعبي الطابع الشيعي من حيث القيادة والقرار، أو انتماء المنتسبين له، واكتسابه شرعية رسمية أقرّتها قرارات الحكومة المركزية، ومع امتلاك الأكراد لقوات البيشمركة التي تكتسب شرعية وجودها من الدستور العراقي؛ كما فشل ممثلو العرب السُنّة في مجلس النواب بتمرير مشروع قانون لإنشاء قوة سُنّية خاصة بهم تضمُّ متطوعين من أبناء العشائر السُنّية في موازاة القوتين الشيعية والكردية لأسباب تتعلق بموقف الكتل السياسية الشيعية في مجلس النواب التي عارضت تمرير مسوّدة مشروع الحرس الوطني التي أقرّها مجلس الوزراء في 2015.
بعد ان ادرك الشيعة حقيقة ضعف المكونات الأخرى في انتزاع بعض السلطات والموارد باتت الرؤية العامة تنطلق من ضرورة اخضاع إقليم كردستان للحكومة المركزية باستغلال ورقة الموازنة واقتسام الموارد النفطية وتوظيف التحالفات بين القوى المحسوبة على إيران من الحشد الشعبي وحزب العمال الكردستاني وبعض القوى السُنّية وقوى أخرى في نينوى وكركوك لاضعاف الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة رئيس الإقليم والجناح الخاص به من قوات البيشمركة الكردية؛ وفي الجانب الاخر، استثمار حالة تفكك المجتمع السُنّي وتشرذم قواه السياسية والاجتماعية التي ظل العامل القبلي المحرك الأساسي له.
ففي خلال الفترة الثانية من رئاسة نوري المالكي للحكومة، استعادت القوى الشيعية هيمنتها على مقدرات البلد وتعزيزها بمزيد من التخلي الأمريكي في عهد أوباما عن الشأن العراقي الداخلي من جهة، ومن جهة أخرى نجاح إيران في استغلال ذلك بالانخراط الكامل في الشأن العراقي ودعم وتعزيز القوى الشيعية لفرض الهيمنة الكاملة على العراق.
وبعد أحداث يونيو/حزيران 2014 تمحور الشيعة عموما حول فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني والتي اثمرت تشكيل هيئة الحشد الشعبي بجسم شيعي من المجموعات الشيعية المسلحة المرتبطة في معظمها بايران إضافة إلى مشاركة سُنّية هامشية الدور والتاثير.
ساهم تشكيل الحشد الشعبي وتحقيقه نجاحات عسكرية في قتاله ضد تنظيم الدولة وتلقيه الدعم الكامل من الحكومة المركزية وايران في تعزيز قدرات الشيعة بشكل اكبر للسيطرة والنفوذ على كامل القسم العربي من العراق؛ وفي ضوء هذا لا يبدو ان حظوظ القوى السُنّية في إقامة أقاليم خاصة بمحافظاتهم قابلة للتحقيق في ظل السيطرة العددية للنواب الشيعة في مجلس النواب العراقي والرغبة الشيعية المدفوعة من إيران بالسيطرة على كامل القسم العربي من العراق لتامين النفوذ الإيراني وخطوط التواصل البري بين إيران والبحر الأبيض المتوسط مرورا بالأراضي العراقية عبر طريقين بريين احدهما يمر عبر أراضي محافظة الانبار والأخر عبر أراضي محافظة نينوى بعد استكمال استعادة ما تبقى من مناطق سيطرة تنظيم الدولة في تلعفر ومناطق أخرى.
ومع دخول المشهد العراقي واقع ما بعد معركة الموصل، سيتعين على العرب السُنّة حشد طاقاتهم وتوظيف علاقاتهم الإقليمية والدولية لاستثمار الحق الكردي في الاستفتاء الشعبي على إقامة كيان سياسي خاص بهم وفقا لمواد اقرها الدستور للسعي لإقامة اقليمهم الخاص بهم في المحافظات السُنّية أو اكثر من إقليم تتم ادارته أمنيا من حكومة الإقليم على غرار التجربة الكردية الناجحة في إقليم كردستان العراق.
من شأن حصول العرب السُنّة على إقليم خاص بهم تشكيل قوة عسكرية من أبناء المحافظات السُنّية مثل قوة الحرس الوطني التي ناقشها مجلس النواب ومنع تمرير مشروعها لاسباب تتعلق بالغلبة العددية للنواب الشيعة ورفض القوى الشيعية عموما أي قوة سُنّية غير خاضعة للقرار الشيعي يمكن لها ان تخلق حالة توازن قوى بين المكونات العراقية الأساسية التي ينفرد العرب السُنّة بعدم وجود قوة عسكرية خاصة بهم.
سيكون من مصلحة لدول الإقليم والقوى الدولية الحريصة على الامن والسلم الإقليمي دعم العرب السُنّة لإقامة الإقليم السُنّي وتشكيل قوة خاصة بالاقليم تؤدي إلى انسحاب المجموعات الشيعية المسلحة من المحافظات السُنّية؛ ويتولى سكان الإقليم إدارة الملف الأمني لمنع إيران من استثمار نفوذها على القرارين السياسي والأمني في الحكومة المركزية من خلال قيادات الحشد الشعبي التي تدين بالولاء لإيران الساعية خلافا لرغبة الولايات المتحدة ودول الإقليم إلى ضمان جغرافية التواصل البري من إيران إلى سوريا ولبنان وسواحل البحر الأبيض المتوسط في البلدين مرورا بالمحافظات السُنيّة العراقية مثل ديالى وصلاح الدين والانبار وصولا إلى وسط سوريا، أو ديالى ونينوى وصولا إلى شمال سوريا.

الحق الدستوري في إقامة الأقاليم:
في أجواء من الصراعات السياسية وانعدام شبه تام للأمن؛ أصدر رئيس سلطة الائتلاف السفير بول بريمر قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية في 9 مارس/آذار2004 لإدارة شؤون العراق خلال المرحلة الانتقالية إلى حين قيام حكومة منتخبة تعمل في ظل دستور شرعي دائم سعياً لتحقيق ديمقراطية كاملة؛ وهي المرحلة التي تبدأ من 30 يونيو/حزيران 2004 حتى تشكيل حكومة عراقية منتخبة بموجب دستور دائم في موعد أقصاه 31 ديسمبر/كانون الأول 2005 على أن يتم هذا على فترتين؛ تبدأ الفترة الأولى بتشكيل حكومة عراقية مؤقتة ذات سيادة كاملة تتولى السلطة في 30 يونيو/حزيران 2004، وهي الحكومة التي رأسها إياد علاوي؛ وتبدأ الفترة الثانية بعد تأليف الحكومة العراقية الانتقالية والتي تتم بعد إجراء الانتخابات للجمعية الوطنية، على أن لا تتأخر هذه الانتخابات عن 31 ديسمبر/كانون الأول 2004، وهي الحكومة الانتقالية التي رأسها ابراهيم الجعفري منذ انتخابات يناير/كانون الثاني 2005 وحتى انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2005، وتنتهي المرحلة الثانية عند تأليف حكومة عراقية وفقا لدستور دائم.
خلال تولي السفير بول بريمر السلطة في العراق اعتمد النظام الاتحادي (الفيدرالي) وتقاسم السلطات مع المركز استنادا إلى قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، الذي أقره مجلس الحكم الانتقالي؛ وهو القانون الذي اعتُمد مرجعا أساسيا لكتابة الدستور الدائم الذي تم الانتهاء منه في منتصف أغسطس/آب 2005 والاستفتاء الشعبي عليه وإقراره من جميع مكونات الشعب العراقي في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2005.
أسس الدستور الدائم لشكل الدولة العراقية المقبلة من خلال إقراره في المادة الرابعة، بأن “نظام الحكم في العراق جمهوري اتحادي (فيدرالي)، ديمقراطي، تعددي، ويجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية” .

الفيدرالية نظام حكم لا مركزي لإدارة المحافظات بموجب الدستور:
يُعد النظام الفيدرالي شكلاً من أشكال الحكم المتبعة في عدد من دول العالم، والغرض منه تسهيل إدارة الدولة والتخفيف عن كاهل المركز بتقاسم المسؤوليات الإدارية والقانونية والصلاحيات الدستورية بين المركز والسلطات الفيدرالية المحلية لخلق حالة من التوازن في توزيع الحقوق وتحديد الواجبات والمسؤوليات.
وتتضمن الفيدرالية تخويل الفروع الإقليمية المزيد من الاختصاصات الأساسية المتمثلة بالسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، أما اللامركزية الإدارية فإنها أسلوب من أساليب الإدارة، وتتضمن توزيع الوظائف والمسؤوليات الإدارية بين المركز والمحافظات غير المنتظمة بإقليم.
جاء في المادة الرابعة من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، “النظام في العراق جمهوري اتحادي (فيدرالي)، ديمقراطي، تعددي، ويجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية”، وجاء في المادة الأولى من الدستور الدائم، “جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي اتحادي” ؛ وحيث أن “الاتحادي” هي إحدى سمات نظام الحكم التي حددها الدستور، فانه قد وضح هذا في المادة (112) بالنص على: “يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية وإدارات محلية”.
وقد وضع الدستور آليات بسيطة جدا تُسهل إقامة الأقاليم والإعلان عنها، إذ يكفي أن يُقدَّم “طلب من ثُلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم، أو طلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم”، كما جاء في المادة (115).
أجاز الدستور للإقليم في المادة (116) وضع “دستور له يحدد هيكل سلطات الإقليم، وصلاحياته، وآليات ممارسة تلك الصلاحيات على أن لا يتعارض مع هذا الدستور”، وأعطى سلطات الأقاليم في المادة (117 أولا) الحق في “ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقا لأحكام هذا الدستور باستثناء ما ورد فيه من اختصاصات حصرية للسلطات الاتحادية”.
كما تضمن الدستور مواداً منحت الأقاليم سلطات تشريعية من خلال برلمان خاص بكل إقليم، وسلطات تنفيذية من خلال رئيس لكل إقليم ومجلس وزراء ورئيس مجلس وزراء، وكذلك سلطات قضائية يحدد واجباتها دستور الإقليم الذي يتم عرضه على سكان الإقليم للاستفتاء عليه، ويعد نافذاً بعد موافقة سكان الأقاليم بالأغلبية، مما يعني شكل من أشكال الاستقلال التام والحق في الانفصال دون الرجوع إلى السلطة المركزية، طالما أن دستور الإقليم يحدد هذا عبر اقتراح برلمان الإقليم مادة في دستور الإقليم تشير إلى إعلان هذا الإقليم دولة مستقلة، ووفق دستور الإقليم يتم الاستفتاء عليه وإقراره بالأغلبية ليكون ساري المفعول بعد نشره في الصحيفة المركزية.

العرب السُنّة والاستثمار في الاستفتاء الكردي:
تبقى الخلافات حول عائدية كركوك بين العرب والاكراد هي جوهر ما يتعلق بالاستفتاء الكردي أو اقامة الاقاليم التي ينادي بها العرب السُنّة؛ وستظل كركوك بؤرة قابلة لتفجير صراع عربي كردي ما لم يتم التوافق على وضع خاص بمدينة كركوك يتم بتوافق جميع المكونات؛ ويمكن ان يكون لتشكيل اقليم خاص بمحافظة كركوك حلا مناسبا لتجنب صراعات محتملة فيما تبقى الرغبات الكردية بضم كركوك الى الاقليم غير قابلة للتفاوض.
وما اصرار القيادات الكردية في الحكومة العراقية والجمعية الوطنية السابقة ولجنة الدستور في تصريحاتهم لوسائل الاعلام بعدم التنازل عن حقوقهم في تقرير المصير للشعب الكردي، وموضوع عائدية كركوك للاكراد، وتوزيع الثروات في الاقاليم، الا مؤشرات تصب باتجاه تحقيق الانفصال عن العراق مستقبلا؛ وكان موقف رئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني عشية كتابة الدستور ما يؤكد على انتهاج خطاب القوة واستغلال الاوضاع الشاذة التي كان يمر بها العراق لفرض الارادة الكردية على الجميع .
اشترط الدستور العراقي اجراء الاستفتاء باكتمال عملية التطبيع واجراء الاحصاء العام بحلول 31 مارس/اذار 2007، كما تم الاتفاق على هذا بين قائمتي الائتلاف والتحالف الكردستاني ؛ الا ان اللجنة العليا لتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي قررت ترحيل العرب الوافدين من مدينة كركوك الى مناطقهم الاصلية ومنحهم تعويضات مالية مناسبة. وتتلخص التعويضات في منح كل اسرة من هؤلاء قطعة ارض سكنية في مناطقهم الجديدة، ومبلغ عشرين مليون دينار عراقي (حوالي 15 الف دولار)؛ كما قررت اللجنة العليا الغاء جميع العقود الزراعية التي ابرمت في اطار ما عرف بعملية التعريب وارجاع الاراضي الى اصحابها الاصليين؛ وفي ذات الوقت طالب العرب والتركمان الحكومة العراقية بتاجيل تطبيق المادة 140 من الدستور الخاصة بتطبيع الاوضاع في كركوك الى حين اكتمال التعديلات الدستورية وفق المادة 142.
وكان مقررا الانتهاء من مرحلة التطبيع في مارس/اذار 2007 ، وتشمل كمرحلة اولى اربع خطوات تتعلق بحل النزاعات الملكية، واعادة المهجرين الى كركوك، وترحيل الوافدين الى محل سكناهم الاصلية، واعادة الحدود الادارية السابقة لمحافظة كركوك؛ اما المرحلة الثانية فهي مرحلة اجراء الاستفتاء في الخامس عشر من يوليو/تموز 2007؛ واخيرا مرحلة الاستفتاء المقرر في نهاية 2007، وحيث لم تنجز عمليا تلك الخطوات في التوقيت المحدد فان الاحتكام الى القانون يفرض تاجيل التسوية النهائية للاراضي المتنازع عليها بضمنها مدينة كركوك الى حين استكمال اجراءات التطبيع.
وعلى الرغم من ان الحقائق تقول بان كركوك جغرافيا لازالت خارج حدود اقليم كردستان العراق؛ الا ان الواقع يؤكد السيطرة الكلية لقوات البيشمركة على كركوك امنيا، فيما تسيطر الاحزاب الكردية سياسيا واقتصاديا على المجلس المحلي لكركوك .
وحاولت بعثة الامم المتحدة ممثلة بالمبعوث الاممي الخاص بالعراق في 5 حزيران 2008 طرح مبادرة توفيقية لحل الخلافات بين الفرقاء تضمنت توصيات غير ملزمة للحكومة العراقية حول المناطق المتنازع عليها بموجب المادة 140 من دستور الدولة العراقية، وركزت التوصيات على اتخاذ سلسلة من الاجراءات لبناء الثقة للمساعدة في معالجة مشكلة الولاية الادارية للمناطق المتنازع عليها وتوفير الامن لكافة العراقيين القاطنين فيها للوصول في نهاية المطاف الى اتفاق سياسي واسع بين المتنازعين.

كيف ينظر العرب السُنّة لإقليم كردستان:
تختلف دوافع المطالبة بالفيدراليات بين مكون عراقي وآخر تبعا لاختلاف الوقائع على الأرض، والأهداف المرجو تحققها، والمعاناة المفترضة وأسبابها، لكنهم يلتقون على مشتركات تعثر العملية السياسية وفشلها في أن تكون عملية سياسية ناضجة تعتمد معايير المواطنة والكفاءة بديلا من المحاصصات على الأسس الطائفية أو القومية، ما أدى إلى استمرار الصراعات السياسية، وتفاقم الخلافات بين القوى العراقية المختلفة، وغياب الأمل لدى العموم بتحقق تسوية عادلة نابذة للأسس المغلوطة التي قامت عليها العملية السياسية، وفقدان الحكومة الجدية والحيادية والرغبة في تحقيق مصالحة وطنية شاملة، وكذا ما يتعلق بالتقسيم العادل للإيرادات العامة حسب النسب السكانية كما يفترض، لا كما تنتهج الحكومة من سياسيات حسب ما تراه القوى السياسية المتنفذة، وليس على وفق معايير علمية وموضوعية.
ينظر العراقيون في المحافظات غير الكردية بعين المقارنة بين ما يرونه في محافظاتهم وما يرونه في المحافظات المنتظمة في إقليم كردستان العراق من بون شاسع في خطط التنمية والبنى التحتية والتعليم والصحة، ووفرة الوقود والطاقة الكهربائية، ومع وجود انتهاكات جدية لحقوق الإنسان تمارسها حكومة الإقليم ضد المعارضين لسياسة الحزبين الكرديين الرئيسيين على خلفيات سياسية، إلا أنها تبقى أقل وطأة قياسا بالانتهاكات التي تتعرض لها بعض المحافظات على أسس الإقصاء المتعمد أو على أسس الانتماء الطائفي المغاير للأحزاب الحاكمة.
المرحلة التي وصل إليها الأكراد اليوم من تقدم سياسي أو تنمية اقتصادية وحضرية جاءت نتيجة تراكمات سياسية وتاريخية تمتد إلى قانون الحكم الذاتي في 11 مارس/آذار1970 وما تبعه من حكم ذاتي موسع في 11 مارس/آذار1974 اندلعت اثره حركة مسلحة خاضها الأكراد في مواجهة الحكومة العراقية استمرت حتى توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 بين الحكومتين العراقية والإيرانية، برعاية جزائرية، أوقفت بموجبها إيران كل أشكال الدعم لأكراد العراق الذين منحوا سلطات تشريعية وتنفيذية وحقوق ثقافية وغيرها من ما لم يتمتع به الأكراد في الدول الأخرى، إيران تركيا سوريا.
كما إن ما وصل إليه الأكراد اليوم إنما جاء بعد مخاضات طويلة من حرب داخلية بين الحزبين الرئيسيين منتصف تسعينيات القرن الماضي استدعت تدخل تركي وأمريكي للسيطرة على الأوضاع المنفلتة انتهى باتفاق تام بينهما، على الأقل في مجال العمل السياسي المشترك باتجاه إسقاط نظام صدام حسين وتحقيق حلم إقامة الدولة الكردية، وجاءت أيضا بعد أكثر من عقد من الاستقلال شبه الكامل عن السلطة المركزية في عهد الرئيس الراحل صدام حسين بشكل أحادي الجانب، حيث يعتمدون على الدولة المركزية في توفير الغذاء والخدمات والرواتب والطاقة رغم خروجهم عن سيطرة الحكومة العراقية آنذاك؛ هذه الاستقلالية المحمية بقرار مجلس الأمن الذي فرض ما عرف بالملاذات الآمنة شمال العراق، فتحت الباب واسعا أمام المنظمات والحكومات الأجنبية لممارسة نشاطات متعددة الجوانب ظاهرها التنمية وتوفير الخدمات والإغاثة الإنسانية، وهو واقع أفاد منه الأكراد.
يصر دعاة الفيدراليات من الأحزاب والكتل الشيعية والسنية على أن تكون لجميع مكونات الشعب، وأن تتساوى الفيدراليات في الحقوق والواجبات، وبنفس المستوى من الصلاحيات، وأن تحظى كل فيدرالية بإرادة وموافقة شعبية؛ إلا أن هذا الإصرار عادة يصطدم بالوضع الشاذ الذي فرضته حالة الصراعات السياسية التي تفتقر إلى الرؤية البعيدة المدى لمصالح العراق؛ وتبنت القوى السياسية الشيعية عام 2005 واثناء فترة كتابة الدستور إقرار مواد تعطي الحق لمحافظة أو اكثر لاقامة إقليم خاص بها على أساس الجغرافيا، وترافقت تلك السياسات الشيعية مع فترة نهوض المقاومة العراقية وتهديدها بزوال السلطة الشيعية بعد ان أصبحت العاصمة والمدن السُنّية ساحة لعمليات المقاومة التي باتت تهدد الوجود الأمريكي بالعراق وبالتالي السلطة المركزية التي هيمنت عليها الأحزاب الشيعية.
في فترة كتابة الدستور كان المجلس الأعلى الإسلامي (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) يمثل الكتلة الشيعية الأكبر والأكثر سيطرة وتمثيلا للشارع الشيعي طالبت “بوجوب ان تشمل الفيدرالية كل العراق وان يمضي الشيعة قدما في إقامة الفيدرالية في الجنوب والا سيندمون على ذلك؛ وهناك من يحاول حرمان الشيعة من التمتع بالفيدرالية التي يحاول الأعداء حرمانهم منها” .
وعلى ما يبدو، ارادت القوى الشيعية من خلال إقرار الحق في إقامة الأقاليم على الأقل ضمان أن تكون للشيعية سلطات إدارية على محافظات الوسط والجنوب اقل تبعية للحكومة المركزية التي لم تستبعد تلك القوى خسارتها العاصمة في تلك الفترة؛ لكن تراجع المقاومة العراقية ودخولها في اقتتال داخلي وتشكيل مجالس الصحوات أعاد الثقة للقوى الشيعية باستمرار هيمنتهم على السلطات والموارد من خلال الهيمنة على القرار السياسي والأمني والعسكري والقدرة على اقصاء المكونات الأخرى من دائرة التاثير في رسم المسارات السياسية والأمنية للعراق؛ كل ذلك احدث انقلابا في الرؤية الشيعية خاصة في الفترة الرئاسية الثانية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي عزز سلطاته الفردية وسلطات الأحزاب الشيعية مع اقصاء شبه كامل للقوى الكردية والسنية والقوى الأخرى.
يرى دعاة الأقاليم ضرورة التركيز في تحقيق أهدافهم على الحق الدستوري في إعلان الأقاليم، وأنها لا تعني التقسيم؛ بل يرى البعض منهم إن الأقاليم تشكل ضمانة لوحدة العراق إذا تم منح الأقاليم حقوقها وصلاحياتها المنصوص عليها في الدستور لتخفيف الاحتكاك المباشر بين الشيعة والسُنّة، قياسا على إقليم كردستان العراق الذي يحتفظ بعلاقات متينة مع المكونين السني والشيعي.
ومع صعوبة افتراض قيام إقليم سني أو إقليم شيعي يتمتع بصلاحيات وقوة تضاهي ما هو عليه إقليم كردستان اليوم، إلا أن تشكيل الأقاليم مهما كانت قوتها ستؤدي بالنهاية إلى عراقات متعددة من الناحية العملية، حتى وان كان موحدا من الناحية النظرية ومرتبطا بحكومة مركزية بشكل رسمي؛ ويتفق المعارضون لإعلان الأقاليم عموما على انه حق دستوري لأبناء اي محافظة أو غيرها من المحافظات العراقية، لكنهم يقفون بالضد من هذا الحق الدستوري بالانطلاق من رؤية مفادها أن هذه الأقاليم إنما تفضي بالنتيجة إلى تقسيم العراق، وبهذا يقف المعارضون على أرضية هشة مبنية على تحليلات سياسية وتوقعات للمستقبل ليس إلاّ.
تبدي القوى الشيعية بشكل عام تخوفا من إقامة الأقاليم في المرحلة الراهنة خلافا للعرب السُنّة الذين يسعى التيار الاعرض منهم لاقامة إقليم سُنّي موحد أو اكثر من إقليم على أساس الجغرافية المناطقية وهو التوجه العام للقوى السُنّية التي تتمحور نشاطاتها حول وضع الشكل النهائي لادارة محافظة نينوى بعد الانتهاء من معركة الموصل نهاية يونيو/حزيران 2017؛ ويرون ان فكرة إقامة “إقليم نينوى” متفقة مع الدستور وستمنح أقليات المحافظة حقوقها، وهي ليست فكرة تدعو للتقسيم انما ستعزز الحفاظ على وحدة المحافظة وارتباطها بالعراق” وتنظيم العلاقات مع إقليم كردستان على أساس المصالح المشتركة؛ لكن مجلس النواب العراقي بحكم الأغلبية الشيعية صوّت في 26 سبتمبر/أيلول 2016 على “إبقاء الحدود الإدارية لمحافظة نينوى كما هي قبل عام 2003” وذلك للحيلولة دون ضم حكومة إقليم كردستان للأراضي المتنازع عليها من جهة، ومنع تقسيم المحافظة إلى عدة محافظات على أساس المكونات أو إقامة إقليم أو عدة أقاليم.
تلخص المشروع الشيعي في عام 2005 بإقامة فيدرالية شيعية تضم محافظات الجنوب أو فيدرالية تضم محافظات الوسط والجنوب على أساس طائفي بحكم الكثافة الشيعية في تلك المحافظات؛ لكن تصاعد قوة الشيعة وسيطرتهم على مفاصل الدولة العراقية بشكل شبه كامل اتجهوا نحو الإبقاء على القسم العربي من العراق على ذات الهيكلة الإدارية للمحافظات وادارتها بشكل مركزي من قبل حكومة المركز التي يهيمنون عليها؛ وتتبنى الكتل الشيعية ذاتها التي كانت تطالب بفيدرالية في الوسط والجنوب سياسات مغايرة ترفض “إقامة أقاليم على أساس عرقي أو طائفي لان ذلك يعد بداية للحرب الاهلية” .

الخيارات المتاحة امام العرب السُنّة:
تمتلك الحكومة المركزية التي يهيمن عليها الشيعة أدوات إعادة بناء الثقة مع المكونات الأخرى المغايرة لها عرقيا أو طائفيا؛ لكنها لم تتخذ ما يكفي من الخطوات العملية باتجاه الإصلاح السياسي الجذري ومحاربة الفساد بشكل جاد وغيرها من الالتزامات التي تعهد بها رئيس الوزراء حيدر العبادي خلال فترة المداولات لتشكيل الحكومة وفقا لمبادئ نصت عليها “وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية 2014” والتي بموجبها وافق العرب السُنّة على المشاركة في تشكيل الحكومة لتعزيز ارتباطهم بالحكومة المركزية ومؤسسات الدولة العراقية.
وسيؤدي الفشل المستمر في بناء الثقة بين الحكومة المركزية والمجتمع السُنّي إلى تصاعد الدعوات وفق آلياتٍ حدّدها الدستور العراقي لعام 2005 لإقامة نظام حكم فيدرالي يشمل محافظة واحدة أو عدّة محافظات سُنّية؛ وهي دعوات تُثير حفيظة الكتل السياسية الشيعية التي ترى أنّها ستؤدي إلى تقسيم العراق في مرحلةٍ لاحقة.
تحاول الكتل السياسية الشيعية منع خروج أي مكون من مكونات المجتمع العراقي في القسم العربي من العراق عن دائرة السيطرة المركزية للقوى الشيعية المهيمنة على السلطة والموارد؛ كما ان إعطاء إدارة لا مركزية أو تمتع المكونات الأخرى بحقها الدستوري في تكوين فيدرالية خاصة بهم على أسس التواجد الجغرافي يعني في نهاية المطاف تقليص مساحة الهيمنة الشيعية وهو ما لا ترضى به الكتل السياسية أو قيادات الحشد الشعبي المرتبطة بها أو المتحالفة مع إيران التي تسعى لفرض نفوذها على مناطق الكثافة العربية السُنّية في غرب وشمال غربي العراق وصولا إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط من خلال ممرين بريين عبر محافظتي الانبار ونينوى.
ويطمح الشيعة إلى استمرار هيمنتهم على مقدرات البلاد والملفين الأمني والعسكري في القسم العربي من العراق؛ كما ان سيطرة الحشد الشعبي على جزء من المؤسسة العسكرية والقرار العسكري سيؤدي إلى غياب مؤسسة الجيش التي تُقاتل باسم الدولة العراقية، ولأجلها، واستلاب قرارها وتسيّيرها وفقَ غايات وأهداف مكونٍ دون آخر; من شأن ذلك ان يخلق شعورا في أوساط المجتمع السُنّي بعدم وجود قوة مسلحة تمثله في الدولة العراقية وتحمي وجوده؛ لهذا لمْ تعد مسالة هزيمة تنظيم الدولة عسكرياً هي المسألة الأهم لدى عموم المجتمع السُنّي، ولمْ تعد هي الحل كما يروج السياسيون لاستعادة العراق، كدولةٍ ومؤسساتٍ قادرة على البقاء ضمن الحدود الجغرافية المرسومة قبل قرنٍ كامل مع وجود قوات شبه عسكرية، الحشد الشعبي، تستمد شرعيتها الرسمية من قرارات الحكومة المركزية، وشرعيتها الدينية من فتوى المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني.
وسيظل قبول المجتمع السُنّي بقواتٍ تختلف عنهم قومياً، البيشمركة الكردية، أو طائفياً، الحشد الشعبي؛ قبولاً مؤقتاً بانتظار ظهور قوة مناوئة لهما من أبناء المناطق السُنيّة؛ وينظر المجتمع السُنّي في عمومه إلى أيّ قوة يختلفُ معها قومياً أو طائفياً كقوةِ (احتلال) لا يمكن التعاون معها على خلاف أيّ قوة من أبناء المحافظات السُنيّة مرتبطة بالحكومة المركزية؛ وفي حال غياب مثل هذه القوة سيبدون قدراً معيناً من التعاون مع قوى سُنّية مناوئة للحكومة المركزية، مثل تنظيم الدولة أو أيّ تنظيمٍ سُنّي مسلحٍ آخر أقل تطرفاً قد يظهر مستقبلاً.
وفي مرحلة ما بعد معركة الموصل، تزداد الحاجة إلى بناء قوة سُنّية بمساندة الحكومة المركزية والتحالف الدولي، بالتزامن مع برنامج إصلاح جذري كفوء عابر للتحفظات الشيعية لبناء أسس الثقة المتبادلة بين الحكومة المركزية والمجتمع السُنّي.
ومع غياب أيّ أفقٍ في المدى المنظور لتسويةٍ سياسيةٍ للأزمة التي أصبحت تؤسس لحالة انعدام إمكانية المجموعات البشرية في المجتمع العراقي من التساكن، أو التعايش، السلمي في عراقٍ موحد، سيظلُّ العراق رهن تقلبات موازين القوى المحلية، أو ما قد تفرضه الإرادات الإقليمية والدولية لرسم صورة ما لمستقبلٍ يصعبُ التكهن بماهيته وانعكاساته على مكونات العراق العرقية والطائفية، مع استمرار القلق على المجتمع السُنّي من جانبي الحفاظ على هويته الفرعية ضمن إطار الهوية الجامعة، وقدرته على الاستمرار في خوض صراعه من أجل البقاء.
في مرحلة ما بعد الانتهاء من قتال تنظيم الدولة في المراكز الحضرية سيكون على الولايات المتحدة التحسب لاحتمالات الضغط الإيراني على الحكومة المركزية لاخلاء العراق من القوات الامريكية والقوات الأجنبية الأخرى “التي ستكون قواعد تواجدها تحت نيران قوات الحشد الشعبي اذا ما أصرت على البقاء في العراق في مرحلة ما بعد داعش” ؛ لذلك ستكون الولايات المتحدة بحاجة إلى شريك سُنّي عربي في الرقعة الجغرافية المشتركة بين غرب العراق وشوق سوريا، وهي مناطق الكثافة السكانية للعرب السُنّة الذين يطمحون إلى دعم امريكي لاقامة إقليم أو اكثر من إقليم يشمل محافظة أو عدة محافظات وفقا للدستور على ان “لا تكون أقاليم طائفية بل أقاليم إدارية لا تحمل عنوانا طائفيا” ؛ لكن الولايات المتحدة رسميا لا تتبنى إقامة إقليم سُنّي أو “نوايا لاقامة مثل هذه الأقاليم من منطلق دعمها لوحدة العراق ومساندتها لحكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي” خلافا لتصريحات القيادات السُنّية التي تتردد على واشنطن بشكل مستمر وتعقد مؤتمرات برعاية أمريكية.

الخاتمة:
ستظل الصورة القاتمة لصراع النفوذ والتنافس بين القوى المحلية أو الإقليمية على مناطق العرب السُنّة قائمة ما لم يتم بناء قوة خاصة بالعرب السُنّة على غرار قوة الحشد الشعبي الشيعية أو البيشمركة الكردية، وهذا لا تندرج في سياق تسليح أو عسكرة المكونات ومخاطرها بعيدة المدى انما في اطار ضرورات خلق توازن قوى عسكرية بين المكونات تكون رادعة لاي مكون يريد استئصال أو استهداف مكون أو اخر، وبالتالي فهو حق طبيعي لدفاع أبناء المكونات عن انفسهم طالما لم يتم ادماج الجميع في مؤسسة عسكرية مركزية مرتبطة بالدولة وليس بالحكومة.
كما ستعيش مناطق العرب السُنّة حقبة جديدة من الهيمنة الشيعية طالما لم يُسمح لهم بإقامة نظام حكم لا مركزي مرتبط بمركز الحكم في بغداد يتمتع صلاحيات واسعة حددتها مواد خاصة وردت في الدستور العراقي؛ وهو ما لا يمكن تمريره في مجلس النواب طالما شكل النواب الشيعة الغالبية فيه؛ ويمكن ادراج هذا في سياق السياسات الإيرانية الرافضة لأي تغيير من شأنه إفلات المحافظات السُنيّة من الهيمنة الشيعية حتى بشكل جزئي.
بعد انتهاء معركة الموصل فسيشكل استمرار النفوذ الإيراني في العراق، وانتشاره في جغرافيات جديدة ضمن مناطق العرب السُنّة، مثل محافظة نينوى، سيمهد الطريق لإيران من خلال توظيف الحلفاء المرتبطين بها لتأمين هذه المناطق التي ستكون تحت سيطرة فصائل الحشد الشعبي بعيدا عن مؤسسة الجيش.
كما ان التواجد الإيراني المستحدث في جغرافيات عربية سُنّية في محافظة نينوى يعد تعديا على الامن التركي والمصالح التركية في مناطق هي في الأصل ضمن نطاق المنطقة التي تنظر إليها تركيا بأنّها المجال الحيوي التقليدي لمصالحها، وارتباط ذات المنطقة بإرث تاريخي مشترك على العكس من إيران التي امتاز وجودها تاريخيا بوجود عسكري لغزو المناطق واستعمارها.
ان استمرار وجود قوى مسلحة من غير سكان المحافظات السُنّية سيعزز حالة عدم الاستقرار الأمني وسيشجع الشباب على الانضمام إلى التنظيمات المتطرفة طالما اثبتت هذه القوى المسلحة سلوكها الطائفي وارتكبت انتهاكات خطيرة وثقتها منظمات دولية ولم تتخذ الحكومة المركزية أي إجراءات قانونية لردع المسؤولين عن تلك الانتهاكات.
لذلك لا يمكن باي حال من الأحوال تصور إدارة المحافظات السُنّية من قبل أي جهات لا تنتمي اليها، وان ما قبل أحداث الموصل 2014 لا يمكن العودة إليها تحت أي ظرف كان؛ وحيث ان أي قوة مسلحة من خارج المحافظات السُنّية أو محافظة نينوى لا يمكن القبول باستمرار وجودها؛ وينطبق هذا أيضا على القوى المسلحة التي تشكلت خلال فترة سيطرة تنظيم الدولة على المحافظات السنية سواء من العشائر السنية أو المكونات الطائفية والعرقية؛ لذلك تظل الحاجة لبناء قوة سُنّية خاصة من أبناء المحافظات السُنّية مرتبطة بالحكومة المركزية على ان تكون خاضعة في قرارتها لمجالس المحافظات أو حكومات الأقاليم بعد ان يتم نزع أسلحة الجميع.

مركز العراق الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *